المركز الخامس مجال القصة القصيرة قصة الفلاح والأرض 35.5 درجة للكاتب أشرف مقلد/مصر

المركز الخامس مجال القصة القصيرة قصة الفلاح والأرض 35.5 درجة للكاتب أشرف مقلد/مصر

الفلاح والأرض
………………………..
استقبل الفلاح مزرعته صباحاً مع بزوغ أول أنوار الفجر، وبدأ كعادته في تجهيز طعام ماشيته، ثم توجه إلى حصانه الوحيد وأخذ يطعمه بيده ويمشط شعره ويربت على ظهره ويلاعبه كما لو كان أحد أبنائه. ترك الفلاح حيواناته بعد أن أطعمها وذهب ليجلس أمام بيته الكائن على أول مزرعته في انتظار طعام فطوره ليشرب بعده شاي الصباح ومن ثم يذهب لاستكمال أعماله الكثيره في أرضه الزراعية ما بين تنقية زراعاته من الحشائش الضارة أو ري ما يحتاج للماء أو تمهيد بعض أحواض الأرض لزراعتها بزرع جديد. وفي هذه الأثناء مر عليه شخص وقف أمام البيت ونادى عليه وعرَّفه بنفسه أنه الموظف المختص بجمع الضريبة على الأرض الزراعية أو ما يسمى “مال الأرض” وطالبه بسداد مبلغ كبير من المال عن حيازته الزراعية.
جادله الفلاح في طلبه وأحقية هذا المال ولماذا يدفع وهو الذي يزرع ويكدح ويتعب في أرضه؟
رد الموظف أن هذا حق الدولة وعليه أن يدفع؟
سأله الفلاح حق الدولة عن ماذا؟
قال الموظف: لأنها توفر لك البذور والمبيدات.
فقال الفلاح: ولكن الدولة تتقاضى ثمن هذه الأشياء وبالسعر الذي تحدده.
أخيرا قال له الموظف لا شأن لي بكل هذا، وما أنا إلا عبد المأمور.
رد عليه الفلاح: أنت لست عبد المأمور بل أنت نبوته (عصاه).
رد الموظف: وليكن، فعليك أن تدفع الآن وإلا حررت لك محضراً وأقمت دعوى ضدك لأنك تمتنع عن دفع حق الدولة من الضرائب، وكما تعلم فنحن جامعي ضرائب الدولة نتمتع بالضبطية القضائية وكل ما نكتبه مصدق أمام القضاء وإذا لم تدفع فستسجن ويتم الحجز على أملاكك وتقتطع منها ضرائبك بالقوة وبزيادة مصروفات وتكاليف التقاضي ضدك.
لم تكن أمام الفلاح فرصة لكثير من الجدال مع الموظف (المحصل) الذي بدا أنه يهتم فقط لجمع المال الذي يؤمن بقاءه في الوظيفة ويوفر له الراتب الجيد الذي يتقاضاه نظير عمله بالإضافة إلى نسبة لا بأس بها يتقاضاها من الأموال التي يجمعها على هيئة حوافز، لذا فقد أذعن الفلاح للموظف ولكنه طلب منه أن يمر عليه بعد أسبوع ريثما يبيع إحدى نعجاته في السوق ليعطيه المبلغ المتراكم.
ما إن انصرف هذا الموظف حتى أتى شخص آخر وعرف نفسه بأنه موظف من الجمعية الزراعية التي تتبعها أرض الفلاح وأخبره أنه عليه أن يدفع مبلغاً متراكما على حيازته بالجمعية الزراعية نظير تنقية الجمعية للحشائش وتطهيرها للمصارف والقنوات المحيطة بأرضه.
رد الفلاح: ولكني أنا من أقوم بهذا العمل وليست الجمعية الزراعية.
ابتسم الموظف ابتسامة صفراء ورد بسماجة: ولكنك تعرف النظام يا حاج.
رد الفلاح بقرف: أي نظام الذي أعرفه؟
تمادى الموظف في سماجته: أن الجميع يدفعون مقابل هذه الخدمات حتى لو أدوها بأنفسهم ولم تؤدها الجمعية، وعموما هي مبالغ صغيرة وليست كبيرة، ويكفي الجمعية أنها توفر لكم التقاوي والأسمدة والمبيدات.
انفعل الفلاح ورد بغضب: أي تقاوي أو أسمدة أو مبيدات توفرها الجمعية، هل نسيت أن موظفي الجمعية يجبرونا على شراء كل هذه الأشياء بسعر السوق أو كما تسمونه (السعر الاستثماري) ويدَّعون دائما أن الحصة المدعمة لم تصل للجمعية، بينما أصحاب الحيازات الكبيرة هم من يتمتعون بالدعم والله أعلم ماذا يدفعون مقابل هذا.
غضب الموظف ونهر الفلاح قائلا: “عيب كده يا حاج؛ هذا لا يليق، أنت الآن تطعن في ذمم موظفي الجمعية وهذا قد يعرضك للعقاب ويضعك تحت طائلة القانون”
رد الفلاح بسؤال استنكاري: إذا فأين تذهب حصصنا المدعمة.
أجابه الموظف: لا أدري شيئاً عن هذه الأمور، وأمامك المسؤولون بالإدارة والمديرية الزراعية، وحتى الوزارة نفسها يمكنك إرسال شكوى لهم بالفاكس.
رد الفلاح ساخرا: الشكوى لغير الله مذلة يا أستاذ.
وقف الموظف وبلهجة صارمة طالبه بالدفع وإلا فإنه سيحرر محضراً و…….، طوح الفلاح ذراعه في الهواء وقال: لا محضر ولا يحزنون يا أستاذ، على إيه يعني، فوت علي بعد أسبوع وبدل ما أبيع نعجة عشان المال أبيع العجل الصغير وأدفع لكم انتم الاتنين.
انصرف الموظف على هذا الاتفاق ونهض الفلاح من جلسته ودخل بيته ليتناول طعام فطوره بعد أن نادته زوجه.
ما إن أكمل الفلاح طعامه حتى سمع منادياً ينادي عليه، ومرة أخرى يخرج ليجد شخصاً يعرفه بنفسه على أنه مندوب بنك التنمية الجديد وأنه جاء يطلب منه سداد مبلغ السلفة التي استلفها من البنك.
استقبله الفلاح وأدخله إلى غرفة استقبال الضيوف وطلب من آل بيته تحضير كوبين من الشاي له وللضيف، وبدأ يستفسر عن الأمر قائلا:
أليس ميعادنا في السداد بعد شهرين من الآن؟
رد الموظف: نعم هو كذلك ولكن البنك يبدأ من الآن جمع هذه المبالغ قبل نهاية السنة المالية حتى يتسنى له تقفيل الدفاتر للموزانة القديمة وإعداد الموازنة الجديدة.
سأله الفلاح: وماذا سيحدث لو انتظرنا هذين الشهرين، وماعلاقتي أنا بالسنة المالية القديمة أم الجديدة فأنا لم أكمل حصد محصول أرضي بعد ولم أبعه حتى الآن فكيف سأجمع مالا أسدد به البنك.
أجابه الموظف بابتسامة: إذا لم تسدد الآن وانتظرت حتى دخلت السنة المالية الجديدة فسوف يتم تدوير المبلغ وإدخاله في دورة أرباح جديدة ويزيد عليك بمقدار 15% من المبلغ الحالي.
حوقل الفلاح وأظهر امتعاضه وأخبر الموظف أنه كان سيذهب للسوق لبيع عجل صغير ليسدد بثمنه ضريبة الأرض (المال) ويسدد الجمعية الزراعية، وبما أن الأمر اتسع على هذا النحو فهو مضطر لبيع نعجتيه مع العجل لسداد مبلغ البنك هو الآخر.
اتفق الموظف مع الفلاح على أن يمر عليه بعد أسبوع ليتقاضى مبلغ السلفة، ثم هَمَّ بالانصراف ولكن الفلاح أقسم عليه ألا ينصرف حتى يشرب معه الشاي الذي تصادف أن أحضرته ابنته الصغيرة فابتسم الموظف وجلسا يتناولا الشاي.
ذهب الفلاح إلى أرضه واستكمل عمله بها واستكمل إطعام ماشيته إلى أن اقترب وقت الغروب فصحبها إلى حظيرتها ثم ذهب بتمشى على الطريق بحصانه حتى لا تتيبس أقدام الحصان من وقفته على مربضه وليتعود السير بين الناس وعلى الطرقات، وأثناء سيره بالحصان تقابل مع خفير القرية بينما كان الآخر قافلاً من حقله يسوق جاموسة ويسحب ثلاث بقرات سمان وقد اعتلى حماره فألقى عليه الفلاح السلام فرده الخفير وهو هاش باش وقد امتلأ فوه بضحكة ما بين اللؤم والبلاهة، وما إن مر الفلاح بجانب الخفير حتى ناداه الأخير: العمدة بيسلم عليك وبيقولك ابعت فلوس الحماية ياحاج.
أوقف الفلاح حصانه ونظر خلفه للخفير قائلا: أية حماية؟
رد الخفير بنفس الوجه الأبله الضاحك: حماية الدار والغيط ياحاج.
زفر الفلاح زفرة غيظ وحنق وقال للخفير: والله ما نحن في حاجة للحماية إلا منكم، فلا تهديد لنا إلا أنتم أو من تطلقون أيديهم في سرقتنا وإفزاعنا لنستنجد بكم، ونطلب حمايتكم منهم فتنهبوننا بدعوى حمايتنا من النهب، وتسرقوننا بدعوى حمايتنا من السرقة.
استدار الخفير وقال: لا شأن لي بهذا فإنما أنا عبد المأمور.
استدار الفلاح الناحية الأخرى وقال: بل أنت نبوته (عَصَاه) كالبقية.
رجع الفلاح إلى بيته حزيناً مهموماً، حانقاً على البلدة وعلى الموظفين والعمدة الذين لاهم لهم إلا ابتزازه والاستيلاء على أمواله تحت بنود وأسماءٍ عدة وكلها في نظره مجرد إتاوات مقابل لاشئ فلا هم يوفرون له خدمة ولا يرفعون عنه أذاهم. دخل حجرته وجلس على سريره وعلامات الكرب بادية عليه فدخلت عليه زوجه تطمئن على أحواله وتسأله عمَّ ألم به، فحكى لها ما حدث وأنه كان مضطراً للتخلي عن نعجتيه بالإضافة إلى ابن البقرة الذي كان يود أن يسمنه ليكبر ويستبدل به بقرة أخرى حتى تكبر ثروتهم من الماشية وتوفر لهم دخلاً إضافياً يساعدهم في تربية أولادهم وتجهيز بنتهم المخطوبة، ولكنه الآن سيبيع ابن البقره والنعجتين وقد يضطر لبيع البقره إذا لم يوف المحصول ولم يكف لسداد الإتاوة المفروضة من العمدة بالإضافة إلى ثمن الأسمدة والمبيدات المستحقة عليه والتي اضطر لشرائها بالأجل من السوق السوداء بعدما قام موظفو الجمعية الزراعية ببيع حصة الفلاحين الغلابة للتجار وأخذ الربح لأنفسهم مقابل استرضاء المسؤولين ببعض العمولات والهدايا وبالطبع مع عدم المساس بالحصص المدعمة من الأسمدة والتقاوي والمبيدات لكبار المُلاك. مع العلم أن البقرة لم تلد بعد وهي عشار في شهورها الأخيرة وبيعها قبل الولادة يعد خسارة كبيرة.
حاولت زوجه مواساته وتهوين الأمر عليه لكنه واجهها بكم أكبر من المصروفات في انتظارهم فهم محتاجون للمال لحصاد المحصول القائم ولحرث الأرض وتجهيزها للمحصول الجديد بالإضافة لمصروفات الأولاد الدراسية وملابسهم، وأخبرها أنه قد يتخلى في النهاية عن فرسه العزيز عليه ولا يتبقى لديهم إلا الجاموسه التي يشربون لبنها كل صباح.
مرت الأيام على الفلاح وهو يجتهد في حقله ويُمَنِّي نفسه أن الوضع سيتحسن ولكن انحدار أسعار المحاصيل الزراعية وهي في أرضه ثم ارتفاعها ريثما تذهب ليد التجار مع ارتفاع أسعار السلع يوما بعد يوم مع الزيادة كل عام في أسعار المبيدات والتقاوي ومستلزمات الزراعة كل هذا أبقاه بلا أي رصيد وغل يده عن الانفاق الجيد على أرضه حتى تدهورت حالتها وأصبحت لا تنتج إلا أقل القليل.
شاب الفلاح وتراكمت عليه الديون واضطر أولاده لهجرة الأرض والعمل في أنشطة أخرى أو الهجرة من البلدة تماماً وأهملت الأرض وجاء العمدة في النهاية ليقيم مزاداً علنيا على أرض الفلاح ويجهزه في شكل تمثيليه حسمها مسبقاً بالاتفاق على سعر معين للأرض يشتريها من يقيم عليها شققا سكنية أو قهاوى أو محلات وذلك لموقعها المحازي للطريق العمومي مباشرة، وذلك مقابل عمولة ضخمة تدخل جيب العمدة وثمن بخس لا يكاد يتعدى الديون المتراكمة على الفلاح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*