المركز الأول مجال المقال الكاتب وليد الأسطل/فلسطين عن مقال موريس ماترلينك(العميان} 49.5 درجة

المركز الأول مجال المقال الكاتب وليد الأسطل/فلسطين عن مقال موريس ماترلينك(العميان} 49.5 درجة

المركز الأول مجال المقال الكاتب وليد الأسطل/فلسطين عن مقال موريس ماترلينك(العميان} 49.5 درجة
موريس ماترلينك(العميان)

لقد كان اختياري متأرجحاً بين عملين، ليكون أحدهما أو كلاهما موضوع مقالي، الأول، قصّة(بلد العميان) ل(جورج هربرت ويلز)، والثاني(العميان)للشا¬عر و الكاتب البلجيكي(موريس ماترلينك)، فانتهيت إلى إيثار تناول(العميان)(ماترل¬ينك) لعدّة أسباب لعلّ أهمّها، أنّ الأوّّل، يعرفه القاصي و الدّاني، و لاأخفي إعجابي ب(العميان) ذلك أنّني وجدته أبعد غوراً، كما أنّه مشحون بجرعةٍ رمزية أكبر، هذا ما يجعله مفتوحاً على تأويلات باذخة، و واسعة كتأويلات الصوفية. مع العلم أنّه قد ينقسم قرّاء نصٍّ يعدُّ واضحاً، إلى فرقٍ شتّى و طرائق قِددا، فهناك من فهم(غودو) (صمويل بيكيت) على أنّه انتظار ما لا يجيء، و هناك من رأى أنّه بمثاابة الأمل الذي يينبغي أن يظلّ قائماً، مهما كانت الظروف ليسهّل لنا العيش، إذن كلّ قارئ يصدر في فهمه عن خلفيّة ثقافيّة مختلفة، و عن تجربةٍ حياتيّةٍ خاصّة. و هذه حقيقة تطرّق إليها الدكتور(محمد يوسف نجم)في كتابه(فنّ القصّة)(ينبغي أن لا يتبادر إلى الذهن، أنّ العنصر السائد في قصّة من القصص، هو وحده الجدير بالعناية و التقدير، أو هو وحده مصدر المتعة التي يجدها القارئ فيها. و لعلّ تنوّع عقليّات القرّاء، أو تباين تجاربهم الحياتيّة، أو اختلاف أمزجتهم، هي العناصر التي تعدد مصدر المتعة في النصّ الأدبي. فالقصّة مرآة متعدّدة السطوح، وكل قارئ يلقي بناظريه على السطح الذي يعكس صورته بأمانة و دقّة. أو لعلها كالبناء الضخم ذي الكوى العديدة، و لكلِّ قارئٍ أن يطلّ من الكوّة التي يختارها له ذوقه و مزاجه و طبيعته).
يستهلّ(ماترلينك) مسرحيّة بتقديم جوّ كئيب شبه جنائزي(غابة شمالية منعزلة)، أضف إلى ذلك القسّ الميّت، الذي لن يدرك العميان موته إلا في نهاية المسرحية. عميانٌ تائهون، في جزيرة عزلاءَ منسيّة، يحيط بها البحر من كل الجهات، تماماً كإحاطة الجهل و الضياع بقاطنيها العميان المتشابهون(ملابسهم موحَّدَة و قاتمة).
أرى أنّ(ماترلينك) منحنا وصفاً خارجيّاً للمكان و الأشخاص متماهياً مع حالة الضياع و فقدان الوجهة و غياب القائد، كأفكار محوريّة تتحرّك في فلكها كل أحداث المسرحية، فالداخل منعكس على الخارج، والخارج يُعبِّر باقتدار عن ألوان المعاني الكالحة التي تطرحها المسرحية. لا أريد أن يقول أحدهم، إنّ هذا االوصف لا يليق إلّا كتجريد منبتّ الصلة بالواقع. يقول(جان جونيه)(قبل حرب الجزائر، لم يكن العرب في فرنسا يتّّسمون بالجمال، فهيأتهم ثقيلة، و خطواتهم متباطئة، و وجوههم معوجّة، و فجأةً حلّاهم النصر). أجد أنّ(رضوى عاشور) قد دندَنَت حول هذه الفكرة في(ثلاثية غرناطة)، عندما تطرّقت إلى طرد المورسيكيين من قبَل االقشتاليين، فنجدها تظهر تلك الشابة المورسيكيّة جميلةً ولكنها عارية، تخوض بقدميها في الوحل، و لكنّ انتبه جيّدًا، كيف تكلّمت عن القشتاليين المنتصرين، خاصّة في وصفها لصيّاديهم عندما طاردوا الأيل(يلتمع الظّفر في عيونهم المتطلّعة بزهوٍ شرس، يعتمرون على رؤوسهم قلانس يزيّنها ريش النعام، و يرتدون سترات مخمليّة مطرّزة، و سراويل حريريّة مشدودة على سيقانهم المفتولة القوية. كان كل شيء ملوّناً، قبّعاتهم، و الريش على قبّعاتهم، و ثيابهم، و الأبواق التي ينفخ فيها مساعدوهم، والكلاب السلوقية التي تتدلّى ألسنتها لاهثةً بعد طول طراد، والأشجار المثمرة برتقالاً و كرزاً و رمّاناً، و زهر البنفسج، و زنبق الوادي، و النرجس، و الورود). لقد علّمتني الحياة رغم صغر سنّي النّسبي، أنّ للغباء و الذكاء، و للغنى و الفقر، وووووو، ملامح واضحةٌ فاضحة، يقول (لويس بارو) متحدّثاً عن(لوركا)(كانت له فصاحة باذخة تظهر على ملامح وجهه حين يتكلّم).
عميان لا يعرفون زمانهم و لا مكانهم، يعيشون في اللّازمان، كالأصوليين أصحاب الأماني المستحيلة، يتساءل أحد العميان(هل نحن في الشمس الآن؟ هل الشمس ما زالت تشعّ؟)(كم السّاعة الآن؟ لا أعرف، لا أحدَ يعرف). لا هَمَّ للعميان في المسرحية، سوى العودة إلى الملجأ(لا شيءَ نهابُه عندما يكون الباب مُغلَقاً، أنا دائماً أُغلِقُ الباب)، سجناء سعداء بسجنهم الإختياري، لا يريدون هواءاً و لا ضوءاّ و لا نهاراً، ماذا عسى تعني هذه المصطلحات عند عشّاق العفن و النّّتن؟ يخاطب أحد العميان صَحبَهُ(أرى فقط عندما أحلم) لا يزورون الواقع و لا يفتحون ابوابهم المؤصدة دونه إلّا في الحلم، يعيشونه كحالة إحتلام، أو كحالة إستمنائية تستدعي صوراً وهميّة، لا وجود لها إلّا في خيالهم الدونكيشوتيّ المريض.
تقول امرأة عمياء مستهجنةً سلوك القسّ في الأيّام الأخيرة(يقولون إنّ عواصف الأيّام الأخيرة الكبيرة، قد هزّت الغدير، و هدمت كلّ السدود. قال أيضاً إنّ الموتى يخيفونه، و على ما يبدو كان مهتاجاً لغير سبب، و أنّ جروف الجبال في الجزيرة ليست عالية بقدرٍ كافٍ، أحَبَّ أن يراها بنفسه، و لكن لم يُخبرنا بما رأى)لقد رأى هلاكهم الحتميّ، قادمًا إليهم من البحر، فمن تقلّص و لم يتمدد مع التاريخ، فإنّ قانون التطوّر سيسحقه. لكنّني لا أدري لماذا لمعت في ذهني عند وقوفي على هذا المقطع رسائل الأم(تيريزا) التي أظهرت قدْراً مهمّاً من الشكّ كان يراودها في مسألة الإيمان. إنّ أقوال و أفعال القسّ التي يحاول فهمها االعميان لا تصدر عن عبدٍ للماضي(قال إنّ عهدَ الرجال المسنّين يقترب من نهايته). أَلَمْ يحِن لمعاشر الحمقى، من عشاق المطلق، من ذوي التفكير الرّاكد، الغير سجالي، من كلّ جنسٍ و ملّة، أن يقتنعوا أنّ ما يعتقدونه قولاً نهائيّاً، لا يتعدّى كونه نظريّةً قابلةً للأخذ و الردّ، بل و للإبطال أيضاً. إنّ الأمر العجيب هو أنّه كلما هبّت العواصف الكبيرة، فكشفت سوءةَ مشروعهم الغير قابل للتجسّد أفقيّاً، كلّما تأكدت لهم صحّته(ههههههه) لعمري إنّ مازوخيّتهم قد فاقت مازوخية العملاق(حسن عابدين) و هو يؤدّي دور الباشا المازوخي، قائلاً بكلّ حزمٍ و جزم(أنا عايز واحدة تهزّأني).
إنّ البيئة الثقافية الوضيعة، لا تكتفي بممارسة الخطأ و إنّما تشرعنه أيضاً، و رواية(الأخوات الثلاث)ل(تشيخوف) خير دليل على ذلك، و اقرأ أيضا(العربة)ل(أداموف¬) ليتأكّد لديك قولي.
حدّثنا (شكلوفسكي) فقال في أكثر مقالاته النقدية شيوعاً(التعوّد يلتهم الأشياء، يتكرّر ما نراه، فنستجيب له بشكلٍ تلقائي……..) فما بالك بالخطإ اذا تكرّر منذ أيّام مصر القديمة، و ربما قبل ذلك.
إنّ أمّة يُحقّق فيها مع (طه حسين) أمّة مُرَشَّحَة للإنقراض. يورد (هاشم صالح) في كتابه(التنوير في العالم العربي)(عندما زار(جان كوكتو) مصر، قال إنّ مشكلة العرب مع(طه حسين)و(أبو العلاءالمعرّي) أنّهما أكبر من أن يستوعبهما العرب).(لا يفهمونك تلك هي المشكلة، تلك هي اللعنة التي فُرِضَ علينا أن نعاني منها نحن الأفذاذ، نحن رجال القدر. فهؤلاء الدهماء، ذلك القطيع من الرّجال، لا يفهموننا يا فيلهيلم)(جون جابرييل بوركمان)ل(هنريك إبسن)، (جهل و تخلّف، أنا كان لازم أَتوِلِد في زمان غير الزمان ده، و مكان غير المكان ده)(جميل راتب في فيلم قاهر الزّمن، المأخوذ عن رواية تحمل نفس العنوان، لرائد رواية الخيال العلمي في مصر(نهاد شريف)، (ليه يا اسكندرية اتوَلَدت فيك؟ من فيلم ليه يا اسكندرية، الجزء الأول من ثلاثة أفلام، يؤرّخ فيها يوسف شاهين لحياته)
نهاية مسرحية(العميان) أراها ترسم أفق الضياع الذي تمضي إليه أمّتنا إن لم تغيّر نسقها الفكري، فالنّهاية لا تناسب أبداً الشعوب الغربيّة الحاليّة، التي أكاد أن أقول أنّها مغامِرَة بالفطرة، حتى أنّ (كارلوس فوينتس) قد أجاد بلورة هذه الحقيقة في رائعته(الغرينغو العجوز)و إن كان قد فعل ذلك في سياق الذمّ، و لكنّني أرى أنّه كان منصفاً، فقد أوضح أنّهم ليسوا لوناً واحداً، بدليل طريقة تقديمه للشخصية المحورية في الرواية(أجل لقد عَبَرَ الغرينغوريّون، لقد أمضوا حياتهم يعبرون حدودهم، و حدود غيرهم)، و حدود كلّ تفكير تفكيٍر بالٍ يا أستاذنا(فوينتس). علينا أن نعلم شئنا أم أبينا، أنّ الغربيّ اليوم، هو وريث (فولتير)و(ريشار سيمون)و(ديكارت)الذي أرسى مبدأ الشكّّ، الذي خرج ّ فلاسفة قرنَي التنوير من تحت معطفه، و قبل هذا و ذاك و قبل كلّ شيء هو وريث الميثولوجيا الإغريقيّة، التي يتحدّى فيها الإنسان الآلهة و ينتصر عليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*